فخر الدين الرازي

104

تفسير الرازي

بما قبلها كان المخصص حاصلاً مع العام المخصوص ، أو كان البيان حاصلاً مع المجمل ، وذلك أولى من أن لا يكون كذلك ، لأن تأخير البيان عن وقت الخطاب وإن كان جائزاً إلا أن الأرجح أن لا يتأخر . الحجة الثانية : إذا جعلنا هذا الكلام مبتدأ ، كان قوله : * ( الطلاق مرتان ) * يقتضي حصر كل الطلاق في المرتين وهو باطل بالإجماع ، لا يقال : إنه تعالى ذكر الطلقة الثالثة ، وهو قوله : * ( أو تسريح بإحسان ) * فصار تقدير الآية : الطلاق مرتان ومرة ، لأنا نقول : إن قوله : * ( أو تسريح بإحسان ) * متعلق بقوله : * ( فإمساك بمعروف ) * لا بقوله : * ( الطلاق مرتان ) * ولأن لفظ التسريح بالإحسان لا إشعار فيه بالطلاق ، ولأنا لو جعلنا التسريح هو الطلقة الثالثة ، لكان قوله فإن طلقها طلقة رابعة وإنه غير جائز . الحجة الثالثة : ما روينا في سبب نزول هذه الآية ، إنها إنما نزلت بسبب امرأة شكت إلى عائشة رضي الله عنها أن زوجها يطلقها ويراجعها كثيراً بسبب المضارة ، وقد أجمعوا على أن سبب نزول الآية لا يجوز أن يكون خارجاً عن عموم الآية ، فكان تنزيل هذه الآية على هذا المعنى أولى من تنزيلها على حكم آخر أجنبي عنه . أما قوله تعالى : * ( فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان ) * ففيه مسائل : المسألة الأولى : الإمساك خلاف الإطلاق والمساك والمسكة اسمان منه ، يقال : إنه لذو مسكة ومساكة إذا كان بخيلاً قال الفراء : يقال إنه ليس بمساك غلمانه ، وفيه مساكة من جبر ، أي قوة ، وأما التسريح فهو الإرسال ، وتسريح الشعر تخليصك بعضه من بعض ، وسرح الماشية إذا أرسلها ترعى . المسألة الثانية : تقدير الآية ذلك الطلاق الذي حكمنا فيه بثبوت الرجعة للزوج ، هو أن يوجد مرتان ، ثم الواجب بعد هاتين المرتين إما إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان ، ومعنى الإمساك بالمعروف هو أن يراجعها لا على قصد المضارة ، بل على قصد الإصلاح والإنفاع ، وفي معنى الآية وجهان أحدهما : أن توقع عليها الطلقة الثالثة ، روى أنه لما نزل قوله تعالى : * ( الطلاق مرتان ) * قيل له صلى الله عليه وسلم : فأين الثالثة ؟ فقال صلى الله عليه وسلم : هو قوله : * ( أو تسريح بإحسان ) * والثاني : أن معناه أن يترك المراجعة حتى تبين بانقضاء العدة ، وهو مروي عن الضحاك والسدي . واعلم أن هذا الوجه هو الأقرب لوجوه أحدها : أن الفاء في قوله : * ( فإن طلقها ) * ( البقرة : 230 ) تقتضي وقوع